النويري
228
نهاية الأرب في فنون الأدب
* ( ( ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ) ) * « 1 » يقول : لا تجهر بصلاتك فيفرّوا « 2 » عنك ، ولا تخافت بها ، فلا يسمعها من يحبّ أن يسمعها ممّن يسترقها دونهم لعلَّه يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به . ذكر أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم روى عن عروة بن الزّبير عن أبيه قال : كان أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عبد اللَّه بن مسعود . قال : اجتمع يوما أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا : واللَّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطَّ « 3 » من رجل يسمعهموه . فقال عبد اللَّه بن مسعود : أنا ؛ قالوا : إنّا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ، قال : دعوني ، إن اللَّه سمينعنى ؛ قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في وقت الضّحى وقريش في أنديتها ، ثم قال رافعا صوته : * ( ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) ) * « 4 » ثم استقبلها يقرؤها ، وتأمّلوه فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أمّ عبد ؟ ثم قالوا : إنه ليتلو بعض ما جاء به محمّد ؛ فقاموا إليه فجعلوا يضربون في « 5 » وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللَّه أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه ، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك . قال : ما كان أعداء اللَّه أهون علىّ منهم الآن ، وإن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا ؛ قالوا : لا ، حسبك ، قد أسمعتهم ما يكرهون . واللَّه الموفّق .
--> « 1 » سورة الإسراء : 110 . « 2 » رواية ابن هشام « فيتفرقوا » . « 3 » كذا في الأصل . ورواية ابن هشام « فمن رجل » بصيغة الاستفهام والمعنى عليها يستقيم أيضا . « 4 » آيتا 1 ، 2 من سورة الرحمن . « 5 » عبارة ابن هشام « ثم أثروا في وجهه » .